التحول الرقمي الشرق الأوسط الاستراتيجية التكنولوجيا المؤسسات

التحول الرقمي في الشرق الأوسط: دليل عملي للمؤسسات [2026]

جودت شماس |

يُعدّ التحول الرقمي (Digital Transformation) من أكثر العبارات استخداماً — وأكثرها سوء فهم — في عالم الأعمال اليوم. بالنسبة لكثير من المؤسسات في الشرق الأوسط، اقتصر معناه على شراء برمجيات جديدة، أو تطوير تطبيق، أو إنشاء حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن التحول الرقمي الحقيقي أعمق من ذلك بكثير. إنه إعادة تفكير جذرية في الطريقة التي تستخدم بها المؤسسة التكنولوجيا والكوادر البشرية والعمليات لخلق القيمة.

بعد أن قُدتُ مبادرات التحول الرقمي في مؤسسات متعددة — من شركات التجارة الإلكترونية إلى قطاع الاتصالات وصولاً إلى تجارة الأزياء بالتجزئة — شهدتُ بنفسي ما ينجح وما يفشل، ولماذا تُخفق معظم المبادرات. النمط متكرر بشكل لافت: المؤسسات التي تنجح تتعامل مع التحول باعتباره استراتيجية أعمال وليس مشروعاً تقنياً. أما تلك التي تفشل فتتعامل معه باعتباره مسؤولية قسم تكنولوجيا المعلومات.

يستند هذا الدليل إلى ما يقارب أربعة عقود من الخبرة التقنية وسنوات من قيادة الاستراتيجية الرقمية على مستوى الإدارة التنفيذية العليا. ليس مجرد نظريات — بل إطار عمل عملي مستخلص من تجارب تحول رقمي حقيقية عبر منطقة الشرق الأوسط، حيث التحديات خاصة والفرص هائلة.

ما المقصود فعلاً بالتحول الرقمي

التحول الرقمي هو عملية استخدام التكنولوجيا لتغيير الطريقة التي تعمل بها المؤسسة وتقدم القيمة لعملائها وتنافس في سوقها تغييراً جذرياً. يبدو هذا التعريف بسيطاً، لكن الكلمة المفتاحية هي جذرياً. لا يتعلق الأمر برقمنة العمليات القائمة — بل بإعادة التفكير فيها بالكامل.

إليكم طريقة عملية لفهم الفرق. الرقمنة (Digitization) هي تحويل نموذج ورقي إلى ملف PDF عبر المسح الضوئي. التحويل الرقمي (Digitalization) هو استبدال النموذج بنظام تقديم إلكتروني عبر الإنترنت. أما التحول الرقمي (Digital Transformation) فهو إلغاء النموذج بالكامل لأنك أعدت تصميم العملية بحيث تُلتقط المعلومات تلقائياً من خلال تفاعلات العميل الرقمية.

الركائز الأربع للتحول الرقمي الحقيقي هي:

تطوير نموذج الأعمال. كيف تخلق مؤسستك القيمة وتوصلها وتستحوذ عليها؟ غالباً ما يعني التحول الرقمي إعادة التفكير في نماذج الإيرادات وقنوات التوزيع وعلاقات العملاء من الأساس.

تجربة العميل (Customer Experience). يجب تقييم كل نقطة تماس بين العميل ومؤسستك — من الاكتشاف إلى الشراء إلى خدمة ما بعد البيع — من منظور رقمي. لم يعد المعيار هو منافسك المحلي، بل أفضل تجربة رقمية خاضها عميلك على الإطلاق، في أي مكان.

الكفاءة التشغيلية (Operational Efficiency). تحتاج العمليات الداخلية وسير العمل وتدفقات البيانات وهياكل التواصل جميعها إلى إعادة فحص. الهدف ليس السرعة فحسب — بل الذكاء. يجب أن تولّد العمليات بيانات تُسهم في اتخاذ قرارات أفضل.

الثقافة والكوادر البشرية. هنا تُقصّر معظم المؤسسات في الاستثمار، وهنا تفشل معظم مبادرات التحول. التكنولوجيا دون أشخاص يفهمونها ويتبنونها ويستطيعون الاستفادة منها ليست سوى بنية تحتية مكلفة معطّلة.

أكبر مفهوم خاطئ أصادفه عند العمل مع مؤسسات في أنحاء المنطقة هو الاعتقاد بأن التحول الرقمي قرار تقني في المقام الأول. ليس كذلك. إنه قرار استراتيجي يعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا. يجب أن يتبناه الرئيس التنفيذي ومجلس الإدارة، لا مدير التكنولوجيا.

واقع التحول الرقمي في الشرق الأوسط

يقف الشرق الأوسط عند نقطة تحول حاسمة. تعمل الاستراتيجيات الرقمية التي تقودها الحكومات على تسريع التحول في أنحاء المنطقة بوتيرة كانت غير متصوّرة قبل عقد من الزمن.

تواصل الإمارات العربية المتحدة ريادتها بمبادرات مثل خطة الإمارات المئوية 2071 وطموح دبي لتصبح المدينة الأكثر تقدماً رقمياً في العالم. الخدمات الحكومية الذكية والإدارة العامة المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمعاملات القائمة على تقنية البلوك تشين (Blockchain) أصبحت قائمة وعاملة فعلاً — ليست مجرد خطط بل واقع حي. وقد وجّهت رؤية المملكة العربية السعودية 2030 استثمارات ضخمة نحو البنية التحتية الرقمية والمدن الذكية مثل نيوم (NEOM)، وتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على النفط. يبلغ إنفاق المملكة على التحول الرقمي مليارات الدولارات سنوياً.

نحتت الأردن مكانة متميزة كمركز إقليمي للكفاءات التقنية، مع منظومة ريادية قوية ومجموعة متنامية من المطورين والمتخصصين الرقميين المهرة. وبحجم سوقها الهائل — أكثر من 100 مليون نسمة، كثيرون منهم شباب ناشطون رقمياً — تُعدّ مصر واحدة من أهم الأسواق الرقمية في المنطقة. كذلك تستثمر قطر والبحرين والكويت وعُمان بكثافة في الحكومة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية (Fintech) والتعليم الرقمي.

تمتلك المنطقة عدة مزايا فريدة للتحول الرقمي. السكان شباب — متوسط العمر في دول مجلس التعاون الخليجي أقل من 35 عاماً، وهم مواطنون رقميون (Digital Natives) يتوقعون تجارب رقمية سلسة. معدلات انتشار الهواتف المحمولة من بين الأعلى عالمياً. الدعم الحكومي للمبادرات الرقمية قوي وممول جيداً. والشهية لتبني التكنولوجيا لدى المستهلكين عالية ومتحمسة.

لكن تحديات كبيرة لا تزال قائمة. لا تزال مؤسسات كثيرة — خاصة في القطاع الخاص — تعمل على أنظمة قديمة (Legacy Systems) يصعب استبدالها ويكلف ذلك كثيراً. فجوة المهارات الرقمية حقيقية: لا يوجد عدد كافٍ من المتخصصين المدربين لشغل الأدوار التي يخلقها التحول. المقاومة الثقافية للتغيير، خاصة في المؤسسات العريقة ذات التسلسلات الهرمية الراسخة، تُبطئ التبني. وفي بعض القطاعات، لم تواكب الأطر التنظيمية سرعة الابتكار الرقمي.

إلا أن الفرصة هائلة. المؤسسات التي تتحول بفاعلية في هذه البيئة لن تكتفي بالبقاء — بل ستُشكّل المستقبل الاقتصادي للمنطقة.

إطار التحول المكوّن من 5 مراحل

بعد قيادة التحول الرقمي وتقديم الاستشارات بشأنه في قطاعات متعددة، طوّرتُ إطار عمل من خمس مراحل يحقق نتائج بشكل مستمر. إنه تسلسلي لكنه تكراري — ستمرون بهذه المراحل مراراً مع نضج مؤسستكم رقمياً.

المرحلة الأولى: التقييم (Assess)

لا يمكنك التخطيط لرحلة دون معرفة نقطة انطلاقك. تتضمن مرحلة التقييم إجراء تدقيق صادق وشامل لمستوى النضج الرقمي الحالي لمؤسستك.

تدقيق التكنولوجيا. ما الأنظمة التي تعمل عليها؟ ما عمرها؟ ما مدى تكاملها مع بعضها البعض؟ أين تُحتجز البيانات في صوامع معزولة؟ ما التكلفة الإجمالية لصيانة مجموعة التقنيات (Technology Stack) الحالية لديك؟

تقييم المهارات. ما القدرات الرقمية التي يمتلكها فريقك اليوم؟ أين توجد الفجوات؟ لا يقتصر هذا على قسم تكنولوجيا المعلومات — قيّم المعرفة الرقمية في أقسام التسويق والمبيعات والعمليات وخدمة العملاء والمالية والإدارة العليا.

رسم خرائط العمليات (Process Mapping). وثّق عمليات الأعمال الجوهرية من البداية إلى النهاية. حدد أين تحدث عمليات التسليم اليدوية، وأين يُعاد إدخال البيانات، وأين تقع الاختناقات، وأين يعاني العميل من الاحتكاك.

تحليل نقاط تماس العميل (Customer Touchpoint Analysis). ارسم خريطة لكل تفاعل بين العميل ومؤسستك. أيّها رقمي؟ أيّها تقليدي؟ أين ينسحب العملاء؟ أين تكون التجربة غير متسقة؟

يكون ناتج هذه المرحلة بطاقة أداء النضج الرقمي (Digital Maturity Scorecard) — صورة واضحة وصادقة عن موقعكم الحالي في مجالات التكنولوجيا والكوادر البشرية والعمليات وتجربة العميل. تتفاجأ معظم المؤسسات بما يكشفه هذا التقييم. الفجوات عادةً أوسع مما تصوّرته القيادة.

المرحلة الثانية: وضع الاستراتيجية (Strategize)

مع وجود صورة واضحة عن وضعكم الحالي، يمكنكم الآن تحديد وجهتكم وكيفية الوصول إليها.

حدد أهدافاً قابلة للقياس. عبارة “نريد أن نصبح أكثر رقمية” ليست هدفاً. لكن “تقليص وقت تسجيل العملاء الجدد من 14 يوماً إلى يومين بحلول الربع الثالث” هدفٌ حقيقي. و”زيادة الإيرادات الإلكترونية من 15% إلى 40% من إجمالي الإيرادات خلال 18 شهراً” هدفٌ حقيقي أيضاً. تحتاج كل مبادرة تحول إلى نتائج محددة وقابلة للقياس ومرتبطة بقيمة الأعمال.

اربط الاستراتيجية بأهداف الأعمال. يجب أن تخدم الاستراتيجية الرقمية استراتيجية الأعمال، وليس العكس. إذا كان هدف الأعمال التوسع الجغرافي، فيجب أن تركز الاستراتيجية الرقمية على المنصات القابلة للتوسع والتوطين المحلي. وإذا كان الهدف الاحتفاظ بالعملاء، فيجب أن ينصبّ التركيز على التخصيص وتحليلات البيانات.

رتّب الأولويات بحزم. لا يمكنك تحويل كل شيء في وقت واحد. حدد مبادرتين أو ثلاث ستحقق أعلى أثر نسبةً إلى تكلفتها وتعقيدها. ابدأ من هناك.

حدد خارطة الطريق (Roadmap). ابنِ خطة مرحلية بمعالم واضحة ومتطلبات موارد وعلاقات تبعية. عادةً ما تمتد خارطة طريق التحول من 18 إلى 36 شهراً، مع نقاط مراجعة رئيسية كل ربع سنة.

المرحلة الثالثة: البناء (Build)

هنا يحدث الاستثمار — في التكنولوجيا والكوادر البشرية على حد سواء. الخطأ الذي ترتكبه معظم المؤسسات هو الإفراط في الاستثمار بالتكنولوجيا والتقصير في الاستثمار بالكوادر البشرية.

اختيار التكنولوجيا. اختر المنصات والأدوات بناءً على استراتيجيتك، لا بناءً على عروض الموردين أو ما يستخدمه المنافسون. أعطِ الأولوية للأنظمة التي تتكامل جيداً وتتوسع مع النمو ولا تخلق ارتهاناً بمورد واحد (Vendor Lock-in). تمنح البنى القائمة على السحابة أولاً (Cloud-First) مرونة وتكاليف مبدئية أقل.

تطوير الكفاءات. أمامك خياران: توظيف كفاءات رقمية جديدة أو تدريب فريقك الحالي. عملياً، تحتاج إلى الاثنين معاً. وظّف للأدوار المتخصصة التي تتطلب خبرة عميقة — مهندسي البيانات ومصممي تجربة المستخدم ومتخصصي الذكاء الاصطناعي. درّب فريقك الحالي على المهارات والأدوات والعقليات الرقمية. تطوير مهارات الموظفين الحاليين غالباً ما يكون أكثر فاعلية من استبدالهم لأنهم يفهمون أعمالك وعملاءك وثقافتك بالفعل.

البنية التحتية للبيانات (Data Infrastructure). إذا كان هناك استثمار تقني واحد يُعيد أضعاف قيمته، فهو بناء بنية تحتية صحيحة للبيانات. البيانات النظيفة والموحدة والقابلة للوصول هي أساس كل شيء — من تخصيص تجربة العميل إلى تحسين العمليات إلى تطبيق الذكاء الاصطناعي. لا تتجاوز هذه الخطوة.

المرحلة الرابعة: التنفيذ (Execute)

التنفيذ هو حيث تلتقي الخطط بالواقع. المؤسسات التي تُجيد التنفيذ تشترك في سمات مشتركة: تتحرك على مراحل، وتحتفي بالمكاسب السريعة، وتستثمر بكثافة في إدارة التغيير.

نفّذ على مراحل. لا تُطلق كل شيء دفعة واحدة. ابدأ بمشروع تجريبي (Pilot) — قسم واحد، أو خط إنتاج واحد، أو سوق واحد. تعلّم، وعدّل، ثم وسّع. التنفيذ المرحلي يقلل المخاطر ويبني ثقة المؤسسة.

المكاسب السريعة مهمة. خلال أول 90 يوماً، قدّم تحسيناً واحداً مرئياً وقابلاً للقياس على الأقل. قد يكون أتمتة بسيطة توفر على الفريق خمس ساعات أسبوعياً، أو قناة تواصل جديدة مع العملاء تُحسّن أوقات الاستجابة. المكاسب السريعة تبني الزخم وتكسبك رأس المال السياسي الذي تحتاجه للتغييرات الأكبر.

إدارة التغيير ليست خياراً. هذا هو الجانب الأكثر استهانةً به في التحول الرقمي. يقاوم الناس التغيير — ليس لأنهم صعبون، بل لأن التغيير يخلق حالة من عدم اليقين. وضّح السبب وراء كل مبادرة. أشرك الموظفين في العملية. وفّر التدريب — ليس فقط على كيفية استخدام الأدوات الجديدة، بل على أهمية التغيير وكيف يعود بالنفع عليهم. كرّم المتبنين الأوائل وكافئهم. عالج المقاومة بالتعاطف لا بالسلطة.

الحوكمة (Governance). أنشئ ملكية واضحة وعمليات صنع قرار ومسارات تصعيد محددة. مبادرات التحول التي تفتقر إلى الحوكمة تنحرف عن مسارها أو تتوقف أو تنجرف وراء أولويات متنافسة.

المرحلة الخامسة: التحسين المستمر (Optimize)

التحول الرقمي لا ينتهي أبداً. المرحلة الخامسة تتعلق بالقياس والتعلم والتحسين المستمر.

قِس مقابل مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs). عُد إلى الأهداف التي حددتها في المرحلة الثانية. هل تحققها؟ إن لم يكن كذلك، فلماذا؟ هل المشكلة في التكنولوجيا أم التبني أم العمليات أم شيء آخر؟

ابنِ حلقات تغذية راجعة (Feedback Loops). أنشئ آليات تتيح للفرق والعملاء تقديم ملاحظاتهم حول المبادرات الرقمية. أفضل الرؤى غالباً تأتي من الأشخاص الذين يستخدمون الأنظمة يومياً.

كرّر وحسّن (Iterate). بناءً على البيانات والملاحظات، صقل نهجك. بعض المبادرات ستتجاوز التوقعات. وبعضها لن يحقق المأمول. أعد توزيع الموارد وفقاً لذلك. القدرة على التكيف السريع هي من أبرز سمات المؤسسات الناضجة رقمياً.

أعد التقييم بانتظام. كل 12 إلى 18 شهراً، عُد إلى المرحلة الأولى وأعد تقييم نضجك الرقمي. المشهد يتغير بسرعة — تظهر تقنيات جديدة، وتتطور توقعات العملاء، ويتقدم المنافسون. يجب أن تتطور استراتيجية التحول لديك مع كل ذلك.

لماذا يفشل التحول الرقمي

تفشل معظم مبادرات التحول الرقمي — تضع الأبحاث القطاعية معدل الفشل باستمرار فوق 70%. واستناداً إلى خبرتي في قيادة هذه المبادرات وتقديم الاستشارات بشأنها، فإن الأسباب متكررة بشكل لافت.

القيادة تتعامل معه كمشروع لتكنولوجيا المعلومات. عندما يفوّض الرئيس التنفيذي مهمة التحول لقسم تكنولوجيا المعلومات، فإنه يبعث برسالة مفادها أن هذا تمرين تقني وليس أولوية استراتيجية. التحول الحقيقي يتطلب قيادة من أعلى المستويات — يجب أن يتبناه الرئيس التنفيذي ومجلس الإدارة والفريق التنفيذي ويموّلوه ويدعموه بشكل واضح ومرئي.

غياب مؤشرات أداء واضحة. بدون معايير نجاح قابلة للقياس، يصبح التحول مبادرة مفتوحة النهاية بلا مساءلة. حدد كيف يبدو النجاح قبل أن تبدأ — بمصطلحات محددة وقابلة للقياس الكمي.

تجاهل العنصر البشري. تستثمر المؤسسات الملايين في التكنولوجيا ولا تكاد تستثمر شيئاً في التدريب وإدارة التغيير. نظام إدارة علاقات العملاء (CRM) الجديد الذي لا يستخدمه أحد بشكل صحيح أسوأ من النظام القديم الذي كان الجميع يفهمه. كل دولار يُنفق على التكنولوجيا يجب أن يُقابله استثمار في الأشخاص الذين سيستخدمونها. وهنا تحديداً تُحدث برامج التدريب المنهجية الفارق بين التبني والهجر.

محاولة تحويل كل شيء دفعة واحدة. إغراء إصلاح كل نظام وكل عملية وكل قسم في وقت واحد قوي — ويؤدي في كل الأحوال تقريباً إلى الفشل. التحول على نطاق واسع يتطلب تسلسلاً. اختر معاركك، واكسبها، ثم ابنِ عليها.

اختيار التكنولوجيا قبل فهم المشكلة. عبارات مثل “نحتاج الذكاء الاصطناعي” أو “نحتاج الانتقال إلى السحابة” ليست استراتيجيات. إنها حلول تبحث عن مشكلة. ابدأ بتحدي الأعمال، ثم قيّم أي تكنولوجيا تعالجه بأفضل شكل.

الأقسام المنعزلة (Siloed Departments). التحول الرقمي يمتد عبر كل وظيفة. إذا كانت أقسام التسويق والمبيعات والعمليات وتكنولوجيا المعلومات والمالية تعمل في صوامع معزولة — بميزانيات منفصلة وأدوات منفصلة وأهداف منفصلة — فسينتج التحول نتائج مفككة في أحسن الأحوال.

دور الذكاء الاصطناعي في التحول الرقمي

انتقل الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) من وعد مستقبلي إلى واقع حاضر للمؤسسات في أنحاء الشرق الأوسط. في سياق التحول الرقمي، يُعدّ الذكاء الاصطناعي مسرّعاً — فهو لا يحل محل إطار عمل التحول، لكنه يضاعف أثر كل مرحلة بشكل كبير.

أتمتة المهام المتكررة. يتفوق الذكاء الاصطناعي في التعامل مع المهام الكبيرة الحجم القائمة على قواعد محددة والتي تستهلك وقت البشر دون أن تتطلب حكماً بشرياً. معالجة المستندات وإدخال البيانات وإنتاج التقارير وتوجيه استفسارات العملاء — كلها يمكن أتمتتها لتحرير فريقك للعمل ذي القيمة الأعلى.

اتخاذ القرارات المبنية على البيانات. يحوّل الذكاء الاصطناعي البيانات من أصل خامل إلى أداة فعّالة لصنع القرار. يمكن للتحليلات التنبؤية (Predictive Analytics) التنبؤ بالطلب وتحديد مخاطر فقدان العملاء وتحسين التسعير واكتشاف الانحرافات قبل أن تتحول إلى مشكلات. الشرط الأساسي هو البنية التحتية للبيانات التي ناقشناها في المرحلة الثالثة — بدون بيانات نظيفة وموحدة، يقدم الذكاء الاصطناعي نتائج غير موثوقة.

تخصيص تجربة العميل (Customer Experience Personalization). يتيح الذكاء الاصطناعي التخصيص على نطاق يستحيل تحقيقه يدوياً. التوصيات بالمنتجات والمحتوى الديناميكي والتواصل المخصص وتجارب المستخدم التكيفية — كلها تصبح ممكنة عند دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمتك المواجهة للعملاء.

الذكاء التشغيلي (Operational Intelligence). تمنح لوحات المعلومات وأنظمة المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي القيادات رؤية فورية للعمليات، مما يتيح اتخاذ قرارات أسرع وأكثر استنارة.

المتطلب الحاسم هو محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة بأكملها. أدوات الذكاء الاصطناعي لا تكون فعّالة إلا بقدر فاعلية الأشخاص الذين يستخدمونها. كل قسم — وليس قسم تكنولوجيا المعلومات فحسب — يحتاج إلى فهم ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله وما لا يستطيعه وكيفية العمل معه بفاعلية. هذا تحدٍ تدريبي، والمؤسسات التي تستثمر فيه مبكراً تكتسب ميزة تراكمية متنامية.

بناء فريقك الرقمي

لا ينجح أي تحول دون الأشخاص المناسبين. السؤال ليس ما إذا كنت ستستثمر في الكفاءات الرقمية — بل كيف.

الأدوار الأساسية. حسب حجم مؤسستك ومرحلتها، قد تحتاج إلى بعض أو كل ما يلي: مدير رقمي أعلى (Chief Digital Officer) أو قائد للتحول الرقمي، ومحللي بيانات أو مهندسي بيانات، ومصممي تجربة المستخدم وواجهات الاستخدام (UX/UI)، ومتخصصين في التسويق الرقمي، ومتخصصين في الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وقائد لإدارة التغيير.

التوظيف مقابل التدريب. بالنسبة للأدوار شديدة التخصص — هندسة البيانات وتطوير الذكاء الاصطناعي وأبحاث تجربة المستخدم — ستحتاج على الأرجح إلى التوظيف. أما بالنسبة لمعظم المهارات الرقمية الأخرى، فإن تدريب فريقك الحالي أكثر فاعلية واستدامة. موظفوك الحاليون يفهمون بالفعل سياق العمل. هم يحتاجون فقط إلى الأدوات والأطر الرقمية. استثمر في برامج تدريب مؤسسي منهجية تبني مهارات عملية لا مجرد معرفة نظرية.

أبطال التحول الرقمي (Digital Champions). لا يمكن أن يُقاد التحول حصرياً من القمة. حدد الأشخاص المتحمسين والمتمكنين رقمياً في كل مستوى من مستويات المؤسسة ومكّنهم كأبطال للتحول الرقمي. يصبحون الجسر بين رؤية القيادة والتنفيذ اليومي. يدربون زملاءهم ويعالجون مشكلات التبني ويجسدون أسلوب العمل الجديد.

التزام القيادة (Leadership Buy-in). هذا هو العامل الأهم على الإطلاق. إذا لم يكن الرئيس التنفيذي والفريق التنفيذي ملتزمين بشكل مرئي بالتحول — يحضرون التدريبات ويستخدمون الأدوات الجديدة ويطرحون أسئلة مبنية على البيانات ويكافئون التبني الرقمي — فلا شيء آخر يهم. الثقافة تتبع سلوك القيادة، لا مذكراتها الإدارية.

المضي قدماً

التحول الرقمي ليس مشروعاً بتاريخ انتهاء — إنه تحوّل دائم في طريقة تفكير المؤسسات وعملها. يقف الشرق الأوسط عند لحظة محورية، مع دعم حكومي غير مسبوق وسكان شباب مواطنين رقمياً وتكنولوجيا سريعة التطور. البنية التحتية تُبنى. مجموعة الكفاءات تنمو. طلب السوق واضح.

المؤسسات التي تتبنى التحول بشكل مدروس — باستراتيجية واضحة والأشخاص المناسبين والتزام بالتعلم المستمر — ستُشكّل المستقبل الاقتصادي للمنطقة. أما تلك التي تتعامل معه كتمرين شكلي أو عملية شراء تقنية أو مسؤولية شخص آخر فستتخلف عن الركب.

يوفر إطار العمل المكوّن من خمس مراحل في هذا الدليل نقطة انطلاق. لكن رحلة كل مؤسسة مختلفة. إذا كنت مستعداً لبدء تحولك الرقمي أو تسريعه، يمكن لجلسة استشارية استراتيجية مساعدتك في تقييم موقعك الحالي وبناء خارطة طريق مصمّمة خصيصاً لتحدياتك وأهدافك.

JS

جودت شماس

مدرب ومستشار أول في التسويق الرقمي بخبرة تتجاوز ٢٥ عامًا. درّب جودت شماس أكثر من ٥٠٠,٠٠٠ متخصص عبر الشرق الأوسط في تحسين محركات البحث وإعلانات Google ووسائل التواصل الاجتماعي والتسويق المدعوم بالذكاء الاصطناعي. مؤسس أكاديمية ريليفانسي وjawdat.ai.